الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
290
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في غير هذا المكان إلى أن أمثال هذه التعابير في القرآن الكريم ، والتي تشمل في خطابها الرسول الأكرم وسائر الأنبياء ، إنما تشمل ما نستطيع تسميته ب " الذنوب النسبية " لأن من الأعمال ما هو عبادة وحسنة بالنسبة للناس العاديين ، بينما هي ذنب للرسل والأنبياء لأن : ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) . فالغفلة - مثلا - لا تليق بمقامهم ، ولو للحظة واحدة . وكذلك الحال بالنسبة لترك الأولى ، إذ أن منزلتهم الرفيعة ومعرفتهم العالية تتوجب أن يحذروا هذه الأمور ويستغفروا منها متى ما صدرت عنهم . وما ذهب إليه البعض من أن المقصود بالذنوب هي ذنوب المجتمع ، أو ذنوب الآخرين التي ارتكبوها بشأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو أن الاستغفار تعبدي فهو بعيد . الفقرة الأخيرة في الآية الكريمة تقول : وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار . " العشي " فترة ما بعد الظهر إلى قبل غروب الشمس ، أما " الإبكار " فهو ما بين الطلوعين . ويمكن أن تطلق لفظتا ( العشي والإبكار ) على الوقت المعين بالعصر والصباح ، حيث يكون الإنسان مهيأ للحمد وتسبيح خالقه تبارك وتعالى بسبب عدم شروعه بعد بعمله اليومي ، أو أنه قد انتهى منه . وقد اعتبر البعض أن هذا الحمد والتسبيح إشارة إلى صلاة الصبح والعصر ، أو الصلوات اليومية الخمس ، في حين أن ظاهر الآية ينطوي على مفهوم أوسع من ذلك الصلوات هي إحدى مصاديقها . في كل الأحوال تعتبر التعليمات الثلاث الآنفة الذكر شاملة بناء الإنسان وإعداده للرقي في ظل اللطف والرعاية الإلهية ، وهي إلى ذلك زاده في سيره للوصول نحو الأهداف الكبيرة . فهناك أولا - وقبل كل شئ - التحمل والصبر على الشدائد